« اختلافات، قطائع و آفاق » : مساهمة فكرية جديدة للدكتور سعدي ( النص الكامل )

مرّة أخرى يطلّ علينا الدكتور سعيد سعدي بمساهمة أسبوعية قيّمة يحتاج لها الحراك الشعبي الراهن، خاصة و أنها نابعة من رجل يحمل على أكتافه أكثر من نصف قرن نضال من أجل الحريات و الديمقراطية و تاسيس النظام الجمهوري الضامن للحقوق و الحريات العامة و الخاصة.

تحت عنوان «اختلافات، قطائع و آفاق»، كشف الدكتور سعدي عن استحالة ايجاد توافق أو مباشرة حوار بن سلطة متشبثة بمشروع إعادة ترتيب بيت النظام القديم و حركة شعبية تنادي بالحرية و الذهاب لمرحة انتقالية تؤسس لجزائر جديدة تسير في كنف نظام جمهوري ديمقراطي.

و رأى الدكتور سعيد سعدي أن وقت هيكلة الثورة قد حان، و ساعة تعيين الأفراد الذين يقومون بتسييير المرحلة الانتقالية قد دقت. يجب فقط أخذ الحيطة و الحذر في اختيار الأشخاص لأن المخاطر تحدّق بالثورة. فلا يمكن مثلا الوثوق في أشخاص يصعب عليهم التنديد بسجن لويزة حنون التي ، مهما اختلف البعض حول مواقفها، تبقى سياسية تنبذ العنف و مناضلة لم تختار المنفى في الأيام الصعاب.

و اشترط الدكتور سعدي من الفاعلين الذين يقبلون بمهمة تسيير المرحلة الانتقالية الالتزام بالمبادئ الديمقراطية العالمية و الفصح به علانيّة، و عدم التقدّم لأي استحقاق أو منصب لاحق لأن المرحلة الانتقالية ليست مرحلة تجريبيّة.

و أكّد الدكتور سعدي  أن إجماعا قد حصل حول آليات و ميكانزمات المرحلة الانتقاليّة. و أن طرق تعيين مسؤولي هذه المرحلة عديدة و متنوّعة.

كما نوّه المناضل الحقوقي بمكاسب الثورة الشعبية و وجوب التحرك من أجل نيل جميع الأهداف المسطّرة.

نبيلة براهم

 

 

اختلافات، قطائع و آفاق

 

يطلق الأطبّاء على الوضع اسم مرحلة حالة. عندما تكون كل الأعراض  موجودة و تمت معاينتها، يصبح تشخيص المرض أمرا سهلا. و منه نستطيع أن نوصف علاجا له. و ها نحن في هذه الحالة

خلال الأسابيع الاولى التي تلت الاستقالة المجبرة لرئيس الدولة السابق، أراد عدد من الجزائريين أن يقتنعوا بفكرة أن مسئولين في الجيش، كانوا في الأصل مساندين أقوياء للعهدة الخامسة، قد يعودون بأكثر استعداد توافقا مع قوّة مطلب التغيير الذي نادى به الشارع الجزائري و في كل المدن

في كل ثلاثاء ، يقدّم رئيس الأركان، و بالزيّ العسكري الميداني، رسالة مزدوجة تتناوب فيها التهديدات و الجاهزيّة للاستماع في ظل حركة شعبية لن يوقفها شيئ. المتفائلون تشبّثوا بالتزامات الاستجابة لتطلعات الشعب و تجاهلوا كل الخطب التي تسهدف « شرذمة من المحرّضين، أيادي خارجية ».

بالرغم من من هذه الخطابات التي يكتنفها الغموض، واصل البعض مناشدة الجيش للحوار.  ظننا أن الإختلافات، ساعة تمّ تحديدها و مناقشتها في هدوء، ستسمح بوضع رزنامة يقبلها الجميع. هذه الخطوة تستلزم أن يكون كلّ واحد استخلص العبر من الأضرار التي أنتجتها عشرون سنة من خوصصة الأمّة، سبقها تسلّط ،دموي في غالبه، جرّد المواطن من حقوقه و حرّياته الأساسية منذ الاستقلال

مع مرور الاسابيع، أصبحت مطالب الجزائريين أكثر إلحاحا على مرحلة انتقاليّة ديمقراطية محرّرة للوطن من قبضة نظام تجاهل الشعب. رويدا رويدا، بدأ الخطاب المزدوج يخفت، و بعدها غابت الرسائل الأسبوعيّة دون أن يكون هناك أدنى بداية تواصل.

ليكون هناك حوار، يجب أن يكون هناك طرفان. و إذا تباينت الحلول، يستحسن أن تكون الاستنتاجات الكبرى مشتركة. لم يتم تجاوز الاختلافات لأنه، ببساطة، لم يتم مباشرتها. و السبب معلوم

كلا الطرفين أخذ مسارا معاكسا

و هي راكدة في موقفها، تعمل قيادة الأركان عبر تفعيل المادة 102 على النقل العُصبي لسلطة استبدادية. في حين كانت و ما زالت ديناميكية في تحركّها، تطالب الحركة الشعبية برحيل النظام من أحل تأسيس نظام ديمقراطي. و ظهرت القطيعة في الأسابيع الأخيرة واضحة في مضامين و سلوكيات و أهداف الطرفين المتقابلين.

منذ اسبوعين، لم تعد قيادة الأركان تتواصل، بل تتخذ اجراءات. و بسرعة. قراراتها موجهة نحو إعادة ترتيب النظام القديم، و بعض منها لا يكترث حتى  بالمشروعيّة. الانتخابات الرئاسية الغير واقعية أسندت للمختص في التزوير الانتخابي. الإعتقالات تتواصل بالوتيرة التي ترضي السلطان. وسائل الإعلام العمومية التي اغتنمت فرصة الثورة للترويح عن نفسها و التحرّر أخلاقيا أُعيدت إلى خانتها. القضاة الذين عبروا عن مساندتهم للشعب و رفضهم الإشراف على الانتخابات أعادوا أدراجهم. في بيانهم الأخير، لم يستُر مطلب العدالة الحرّة ذلك التراجع الذي يفتح بابا للانخراط في الحلّ الدستوري. التعيينات تلي التسريحات في المراكز الاستراتيجية للدولة

في المقابل ، الثورة تتقدّم. النقاشات المحظورة أخذت مكانها. رفض الإغراء العسكري يُسجَّل في كل مكان. الفنانون ، الجامعيون و المثقفون يتكلّمون عبر الإعلان و شبكات التواصل و في الفضاءات الجواريّة عن مواضيع غير متوقّعة. التصريح بالمساواة بين الجنسين التي لقيت ردة فعل جانبية و لكنها عنيفة في أواخر فيفري بالعاصمة، أصبحت أمرا مقبولا في كل المظاهرات. العلم الوطني يرفرف بجانب راية شمال إفريقيا ، و منذ أسابيع، ظهرت راية أولاد نايل.  الأشكال المستقبليّة لإعادة الهيكلة السياسية و الإدارية التي تزاحم القوالب البيروقراطية للأفلان تأخذ حيزا في النقاشات. عالم الشغل رفض نهائيا الوصاية المافيوية التي أخضعته منذ الأوّل. المسائل الدينية يتم تناولها بلا نفاق عبر مسألة الصوم مثلا. الاعتداء على بنت لقيّ تضامنا غير مسبوق. إن طلبت أصوات بالتحفظ لتجنب السجال، فإن اصوات عديدة نطقت للتنديد بالتسامح في اتجاه واحد. الحقيقة،أن الدعاية الرسمية روجت لوجوب احترام الصائم الخلوق من طرف المفطر المدعو للاختباء لاقتراف ذنبه. التبادلات الفكرية حادة و لكنها مؤسسّة

أي فاعل أو مجموعة هذه، و لو بنيّة صادقة،  تستطيع فرض أو فتح نقاشات من هذا المستوى و بهذه الحدّة و بهذه السرعة في الفضاء العام ؟ ذهبنا بسرعة ربما، لأننا مسرعون.

لقد بدى واضحا أننا لسنا أمام فاعلين يبحثون عن حلّ لمأزق معاش و مشخّص من طرف الجميع. ظهرا لظهر، كلا الطرفين يرى الساحة الجزائرية من زاوية خاصة، يفهمها حسب إشارات خاصة و يدفعها نحو مآرب خاصة. و هي متشبثة بالماضي و مستعملة للعنف، تريد قيادة الأركان انتخابات رئاسية بنفس الأساليب و لنفس الأهداف التي أدّت إلى انتفاضة الشعب.

الثورة المتفتحة على العالم تريد، من جهتها، مرحة انتقالية لبناء جمهورية ديمقراطية تمّ رفضها و محاربتها منذ 1962.

الآن و قد اتضح عدم التوافق، يمكن القيام بتقييم المرحلة لتقدير المكاسب، تحليل المناهج و خاصة تصور الحلول الممكنة. و لكن كان لزاما تقبّل أخذ الوقت ليدرك كل واحد استحالة الحوار البناء و العادل مع السلطة للأخذ بزمام الأمور

في هذا السياق و نظرا لشعارات الجمعة الماضية التي كرّست هذا الوضع، يمكن حاليا مباشرة مسألة الهيكلة التي طالما تم تقديمها. و لكن يجب معرفة كيف و ماذا و من يتدخّل الآن لمباشرة المرحلة الانتقالية في أحسن الظروف

حتى الآن، حالت التسرعات و اللبس و سوء التفاهم دون وضع آفاق واقعية و جامعة. عناصر غير قابلة بالتغيير تدمج أصواتها تارة مع مطالب الشعب. الصمت أو المماطلة و التردد الذي صاحب الإعتقال المتهور للأمينة العامة لحزب العمال تنذر بالمخاطر التي تحدق بالثورة.  أكان مبررا برفض أيديولوجية المعتقلة أو رغبة في عدم التعرض لمن قام بالتجاوز ، تبقى هذه الاحتياطات المذنبة مؤشرا على مخاطر تسليم المهام لفاعلين لا يستطيعون حتى التنديد بظلم مسّ قيادية سياسية.  مهما كانت مواقفها االمتخذة، تبقى لويزة حنون غير منادية للعنف، و لا هي مناضلة اختارت المنفى. كل الحقوقيين أجمعوا أن لا شيئ يبرّر سجنها. التصريح بهذا يعتبر في حد ذاته مؤشّر مصداقية ديمقراطية

المسألة ليست طبعا إقصاء أي مواطن أو مناضل من مرحلة ما. لكنه من المهم أن نتفاهم عن معنى المرحلة الانتقالية في جزائر اليوم

هذه المرحلة جد هامة لتاسيس نظام جمهوري ديمقراطي. هذا الشيئ قلنا و ليس عبثا إن كررناه. تقريبا، هياكل و مكانزمات المرحلة الانتقالية حصل الاجماع عليها. رئاسة جماعية، مديرية الندوة الانتقالية، اللجنة المستقلة لتنظيم الانتخابات، جمعية مكلفة بدباجة الدستور تسبقها الالتزام بالشروط الديمقراطية المسبقة

عمليا، يتوجب على الأعضاء الذين يسيّرون هذه المرحلة التجنّد لها خصيصا و التعهد بعدم التقدم لأي استحقاق أو مسؤولية لاحقة.

يجب طبعا أن ينخرطوا في القيم الديمقراطية العالمية و الفصح عن ذلك

طيلة فترة عهدتهم التي تنتهي باعلان نتائج الانتخابات التشريعية و الرئاسية، يمتنعون عن أي التزام سياسي أو حزبي. البرنامج أكان ليبيراليا ، تقدّميا، محافظا أو براغماتيا يبقى من اختصاص الرجال و النساء الذين يقابلون الصناديق الانتخابية في ظل شفافية و نزاهة تامة ، إن أردنا إعطاء كل الحظوظ للجزائر الجديدة

خلاصة القول، يجب التفاهم و الاتفاق جميعا أن المرحلة الانتقالية ليست مرحلة تجريبيّة للوصول إلى السلطة و لكنها مرحلة تهدف لتحضير و ضمان دخول و ممارسة و رقابة عمل السلطة الجمهورية

إن تمّت المصادقة على ميثاق يأخذ بعين الاعتبار هذه الأساسيات، كل شيء يصبح عمليا سهل المنال

في ما يتعلق بآليات تعيين الأعضاء الذين تسند لهم مختلف الهيئات، عدة صيغ موجودة لهذا الغرض.  مؤسسة «نبني» اقترحت نماذج انتخابات الكترونية يمكن تجربتها في هذه المرحلة. يمكن تنظيم انتخابات جهوية على مستوى الولايات التاريخية الستة. مجالس جهويّة تعين مسئولين فاعلين على مستوى الهايكل التقليدية يمكن برمجتها … و إن تطلب الأمر، يمكن تنظيم انتخابات أولية، و المنتخبون الذين تفرزهم الصناديق يقترحون على مستواهم الفاعلين المستقبليين

الآن و قد تم رفض الحوار و أصبح التوافق قليل الاحتمال مع السلطة، يجب على الجزائر الحقيقية التي تفرض نفسها كل أسبوع أن تأخذ أمورها بنفسها

المسألة لم تعد قضية فشل انتخابات 04 جويلية و لكن تجنب تكاليف ذلك الفشل

يجب على الحركة الشعبية استعادة زمام البادرة لتكون في حالة قوة أمام الوضع الراهن و  يسمح لها بالتمكّن من من تكييف أشكال النضال الناجعة للوصول إلى الأهداف

سعيد سعدي

15 ماي 2019

 

 

 

 

Facebook Comments

POST A COMMENT.