و غدا ، كيف نكون؟

أيام ما كانت الجزائر جزءا من الإمبراطورية العثمانية ، فرضت عليها دول أوروبية مجموعة من الإجراءات في التعامل التجاري . مثلا ، كان استيرادهم القمح أو الجلود و المرجان يتم عبر وسطاء أوربيين . و يمنع الاستيراد المباشر من تجار أو وسطاء جزائريين . و عندما كان بعض التجار يجرؤون تجاوز هذا الحصار ، و يتكفلون بتحضير أسطول تجاري صغير ينقل البضائع و السلع، كانت فرقة فرسان مالطة المستقلة بالاسم عن أي حكومة ،( هم مجموعة من الفرسان الذين يحملون لواء الدفاع عن المسيحية ) أو أسطول دوريا ( هو أمير من جمهورية جنوا التابعة لإيطاليا اليوم، و كان صاحب فرقة مرتزقة عملت لصالح الفرنسيين ثم خدم الاسبان حين دفع له الملك شارل الخامس اكثر مما كان يدفع ملك فرنسا ) ينقضون عليهم ، و يدمرون سفنهم مهما كانت صغيرة . كانت غايتهم منع تطور منظومة تجارية حتى لا يبرز أي نشط يؤدي إلى إقامة منظومة اقتصادية . كان الجزء الكبير من المداخيل مصدره تجارة القمح و الجلود و المرجان ، و الفواكه و الخضر و زيت الزيتون أو الذهب القادم من مناطق افريقيا الواقعة جنوب الساحل . و بلغة اليوم ، كأننا نتحدث عن جزء من مداخيل صادرات الغاز و النفط.
في مقابل إرادة أوروبية في تسيير التجارة و ما يسبقها من نشاط انتاجي ، كان حكام الجزائر ينظمون التصدير عبر ما يسمى ” الترخيص الخاص “، الذي يحدد المادة المصدرة . بطبيعة الحال، كان القمح على رأس القائمة. و ” يا سعدو” من يحصل على “الوثيقة” التي كانت تصدر عن ديوان الحاكم ، و تحمل ختمه و مدة صلاحيتها . كانت تلك التراخيص من علامات الرشوة و الفساد . فمن يريد الحصول على صك الغنى، كان عليه الدفع للحاجب و للوزير و للحاكم. و كان لكل واحد من هؤلاء قواده ، يسعى كل واحد منهم من أجل مصلحته ، مدافعا عن زبونه ، دافعا بدوره الرشاوي في شكل مالي أو في شكل تقديم خدمة محددة . و هكذا تحولت العملية إلى آلة كاسحة تضم جيشا من المنتفعين، يدفعون للفوز بالوثائق التي وضع عليها ختم الحاكم ، و تمنح لرجال مال ذاك الزمان حصرية جمع المنتوج المحلي و بيعه لوسطاء أوربيين.
كانت أوروبا تشتري و تحارب. و كان الحكام يبيعون و يحاربون. و بينهما كان أهالي الجزائر ، من وادي ملوية غربا الى بحيرات الطارف شرقا، و من سواحل البحر المتوسط في الشمال الى ورڤلة جنوبا مجموعة امارات و قبائل .
هذا من التاريخ . و أنا بريء من أي تشابه أو مقارنة .
اللهم احفظ الجزائر من الطمّاعين و من الحاقدين. آمين.

عبد الحكيم بلبطي
hakimbelbati@yahoo.fr

Facebook Comments

POST A COMMENT.