من دوافع فسح المجال للطبقة السياسية و النخبة المثقفة لرسم خريطة طريق

sample-ad

المسيرات و اللافتات و الشعارات وسائل تعبير عن مطالب و وسائل ضغط سياسي و شعبي لفرض التغيير المنشود و دفع السلطة إلى التنحي و فسح المجال لحوكمة أفضل و نظام سياسي أنجع. و لكن التعبير عن المطالب غير كاف لتحقيق الأهداف المسطرة.

إن الضغط المستميت قد يؤدي حتما إلى انهيار حائط المقاومة الذي تتستر وراءه السلطة المتعنتة و سقوط النظام بأكمله. و هذا هو الفصل الأول من أي ثورة و من هذه الناحية، يمكن الجزم أن  الشعب الجزائري في الطريق الصحيح لبلوغه، و لكن ماذا بعد ؟

إن سقوط النظام قد يحدث فراغا في الدولة. و عدم شغله في اللحظة المناسبة قد يؤدي إلى كوارث لا تحمد عقباها. إن وقت الفراغ في حياة الدول كالسيف الحاد ، إن لم يُقطع قطع حياة أمة بأكملها. و من هنا، وجب إعداد العدة كاملة قبل بروز الضرف العسير. و من أنسب من الطبقة السياسية و الشخصيات الوطنية و النخبة المثقفة التي لها دراية كافية في شؤون السياسة و الدولة و المجتمع للقيام بهذه المهمة ؟

سجلنا في الأيام الأخيرة نزعة بعض الشباب إلى رفض فكرة اجتماع الكفاءات السياسية بمختلف مشاربها للتفاهم حول رزنامة مكانيزمات تضمن الانتقال السلس و الناجع من نظام سائر للانهيار إلى نظام يتوجب بناؤه. و ذريعتهم في ذلك أن الطبقة السياسية و النخبة الوطنية لم يكن لها حضور كاف في وقت مضى. هذا الرفض الكامل غالبا ما يتم تسريبه كخيار استراتيجي من مراكز قرار النظام الحالي كي يحدث القطيعة بين الشعب و نخبه السياسية و الثقافية و دفع الثورة الشعبية إلى مأزق عدم وجود بديل حيوي غير الذي في جعبة النظام.

يجب على كل أطياف المجتمع المطالبة بالتغيير أن تعلم أن بناء الجمهورية الجديدة تتطلب تضافر جهود الجميع. كل حسب كفاءاته و مخزونه العلمي و درايته بشؤون الدولة. و يجب أن تعي الطبقات الشعبية المختلفة أن غياب أو عدم الحضور الكافي للطبقة السياسية في العشريات الماضية ليس إرادة منها في التقاعس بل نتيجة سياسة تهميش و تغييب و قمع و إقصاء مارسها النظام العفن في حقها. و يجب أن تضع في نصب أعينها أن كل ما يسهم في بناء جمهورية جديدة ديمقراطية عادلة مرحب به. و ما غير ذلك، لا جدوى منه.

إن تعنت البعض، بإيعاز من النظام أو بجهل بأمور السياسة و الاستراتيجية الثورية ، في رفض رسم خريطة طريق واضحة المعالم يخدم السلطة الحالية و يقوي عضمها. فالنظام قد يسوّق للخارج أن الثورة الحالية بلا مضمون و أن أي حراك شعبي بلا مضمون مآله الفوضى و الخراب. إن وجود حراك من هذا الحجم بلا حلول مقترحة و متفق عليها مسبقا قد يفزع دول الجوار و الرأي العالمي. و هذا ما يصبو إليه النظام القائم. علينا أن نتجاوز التفاعلات الانفعالية و نترك الطبقة السياسية الوطنية من أحزاب و شخصيات جزائرية و نخب مثقفة العمل بهدوء في إيجاد البديل الجمهوري الديمقراطي العادل للنظام القائم كي نقطع أمام الزمرة الحاكمة سبل تخويف الرأي العالمي و تتضح لنا معالم جزائر الغد. و تزامنا لهذا العمل السياسي و الأكاديمي، يجب مواصلة الضغط الشعبي السلمي لإرغام النظام على الرحيل. أي تخاذل في هذين المسارين يؤدي إلى إعادة بعث النظام المتآكل أو السقوط في فوضى مساومات سياسوية كلنا في غنى عنها.

أمياس مدور

 

 

 

sample-ad

Facebook Comments

POST A COMMENT.