من دخل منطقة القبائل فهو آمن !

sample-ad

كثيرا ما نسمع هذه الأيام أصواتا تنادي مواطني منطقة القبائل الأحرار تحثّهم على منع مناضلي الماك من تنظيم فعاليات في المنطقة أو تشجّعهم على  تنظيم مسيرات مندّدة به. و يناشدون أهالي المنطقة بالقيّام بهكذا مبادرات للبرهان عن وطنيّتهم و رفع الشكوك عن نواياهم الحسنة في الأخوة و العيش في انسجام مع المجموعة الوطنيّة. و طبعا لا يخطبون بضرورة تسجيل هبّة وطنيّة للتنديد بمن يتهجّم على أبناء المنطقة صباح مساء و بلا أدنى تبرير غير إشباع رغبة إحداث الفتنة. و لا أحد من هؤلاء الساهرين على الوطنيّة رفع حرف استهجان على هؤلاء الذين نعتوا عائلات ثورية كاملة بالزواف. و ريتهم عرفوا تاريخ الزواف حق معرفة.

أصحاب هذه النداءات يجهلون طبيعة المنطقة ، تاريخها النضالي و تضحياتها الجسام من أجل الحريّة و الديمقراطية طوال عشريات الحركات التحررية و طيلة أيام الاستقلال المسلوب. و إلّا ما تجرّؤوا على التفوّه بمثل هذا الاستهتار.

منطقة القبائل، لمن نسيّ أو جهل تاريخها، كانت ساحة للثورات الشعبيّة. نذكر منها ثورة المقراني، ثورة الشيخ أحداد، ثورة بوبغلة، ثورة لالّا فاطمة  نسومر قاهرة جنرالات فرنسا. منطقة القبائل كانت آخر ما استطاع المستعمر الفرنسي احتلاله، و هي المنطقة التي لم تعطي لفرنسا الاستعماريّة مهلة استرجاع الانفس طيلة تواجدها على أرض الجزائر الطاهرة.

في مجازر 08 ماي 1945، قدّمت منطقة القبائل خيرة أبنائها في خراطة و سطيف فداءا للوطن. منذ 1947، عرفت المنطقة بقيادة كريم بلقاسم و أعمر أوعمران و فرنان حنفي أولى وحدات الكفاح المسلح التي أصبحت  في غرة نوفمبر 1954 أولى كتيبات و فيالق جيش التحرير الوطني.

في 1954، اختيرت منطقة القبائل لطبع بيان أول نوفمبر للثقة الكاملة التي وضعتها قيادة الثورة في سكان و مناضلي المنطقة. و في 1956، أختيرت المنطقة لاحتضان مؤتمر الصومام الذي أعطى أولى لبنات الدولة الجزائرية الفتية. و في 1958، رفضت قيادات منطقة القبائل و قواعدها الثوريّة عرض ” سلام الشجعان ” الذي قدّمه ديغول للمنطقة و الذي مفاده منح استقلال ذاتي لمنطقة القبائل مقابل وقف اطلاق النار. و في مفاوضات إيفيان، أخرج كريم بلقاسم، ابن المنطقة البار، من جيبه حبة رمل استقدمها من صحراء الجزائر و وضعها على الطاولة قائلا لممثل فرنسا : ” حبة الرمل هذه يا سيد جوكس من صحرائنا. عندما ننهي مفاوضاتنا ، أريد استقلالا تاما للجزائر. و حتى حبة الرمل هذه أرجعها لوطني ربّما تفيد أحدا من  أبناء بلدي “. حصل ما قال كريم بلقاسم الذي اغتالته العصابة الحاكمة بربطة عنق في ألمانيا.

في جويلية 1962، توجهت كتائب جيش التحرير للولاية الثالثة بقيادة العقيد محند أولحاج  إلى سيدي فرج و رفعت علم الجزائر ترسيما لاستقلال الجزائر . و ما اختيار جنود الولاية الثالثة من قبل القيادة الوطنية آنذاك لهذه المراسيم التاريخية  إلّا عرفانا لتضحيات المنطقة التي ينعتها جهلاء اليوم بالزواف.

ألا يكفي ما سبق ذكره برهانا مدوّيا عن وطنية المنطقة ؟

و لمّا تم سلب استقلال الجزائريين و حرّمت عليهم العصابة الحاكمة شمس الحرية و العدالة، ناضلت المنطقة لوحدها تقريبا و لعشريات متتالية من أجل استرجاع حقوق المواطنين المسلوبة. دون مساندة و لا تضامن. عرف ابناؤها التعذيب و السجون و الاغتيالات و المنفى من أجل جزائر حرة و ديمقراطيّة. للتذكير، تم تعذيب فرحات مهني، ابن الشهيد الذي كثرت حوله سكاكين من لا تاريخ نضالي في جعبته، أكثر من 14 اعتقال و تعذيب بسبب نضاله من أجل جزائر حرة و ديمقراطيّة. يكفي سماع مضمون أغانيه التي سجلها في السبعينات لمعرفة حلم فرحات مهني الوطني بجزائر الحقوق و الحرية و العدالة. و يتوجّب على المختصّين فهم دوافع هذا المناضل الخالص، ابن الأسرة الثورية النقيّة، التي ذهبت به إلى تبني فكرة الاستقلال للمنطقة .

اليوم اكتسبت منطقة القبائل  تجربة فريدة من نوعها. و عرف أبناؤها ثمن الحريّة. لذلك تجد كل من يقصدها للتعبير عن رأيه، حرّا و آمنا. و كل من قصدها ،يجد نفسه يعبّر في قراها و مدنها عن رأيه و قناعاته بكل حريّة : المؤمن و الملحد، المسلم و المسيحي، اليهودي و البوذي، الديمقراطي و الإسلاماوي، الحاكم و المعارض، العروبي و الأمازيغي، الرجل و المرأة، المتبرجة و المتحجّبة، المحافظ و التقدّمي، الصائم و الفاطر، اليميني و اليساري، الاتحادي و الانفصالي … الكلّ له الحق في اعتلاء المنبر و مخاطبة الناس و العيش في أمان بين الملأ. لأن الجميع في منطقة القبائل على قناعة أنهم ليسوا سواسيّة في القناعات و الأفكار و لكن تربطهم عقيدة واحدة : كلنّا أحرار في ما نقول و نعمل بشرط احترام السلميّة و حرية الآخر. لهذا يقصدها اليوم  كل من لا منبر له من المفكّرين و الأدباء و الشعراء و الفنانين و الخطباء.

في منطقة القبائل لا مكانة للفكر الاقصائي و لا لردّات الفعل الفاشية. أبناء القبائل الأحرار لهم تاريخ نضالي قلّما كسبته بلدان و اقوام بأكملها. يُتقنون فن الكلام و هم  متشبّعون بثقافة الإصغاء و الاستماع و تحرّكهم حرارة المناقشة و المجادلة و التحاور.  عنوان المنطقة : التاريخ الوطني تاريخنا، الحرية معتقدنا و الأرض تسع الجميع. و من دخل مداشرنا و مدننا و صعد منابرنا فهو آمن.

و يا ليت كل مناطق الجزائر تحذو حذو القبائل في التعايش السلمي بين الثقافات و القناعات و الأديان ليعيش الكل في سلام و أمان و أخوّة. سبيل السلام يكمن في تشجيع هذه الثقافة المتفتحة و ليس في غرس بذور التفرقة و تبني ثقافة الإقصاء و المجابهة.

أمياس مدور

Facebook Comments

POST A COMMENT.