لماذا لا تتبنّى السلطة سياسة أخلقة الصحافة بدل قمعها بالبوليس و الضغط عليها بالقوانين ؟

sample-ad

في بلدان تحترم سلطاتها القوانين، يُجمّد فيها سن التشريعات في حالة تحضير و تدوين دستور جديد للبلاد كي تأتي القوانين الجديدة مكيّفة مع روح و ترتيبات الدستور الجديد و تجنيب البلاد مشقّة إعادة تعديلها مرة أخرى في المستقبل القريب.

السلطة الجزائرية المرتعشة من فكرة العودة المؤكدة للحراك الشعبي إلى الشارع بعد أزمة كورونا لمطالبتها بجمع حقائبها و الرحيل لا تكترث بهذه الأمور الترتيبية و المنطقية. فكل همها تجنيد ما أوتيت من وسائل قمع و ضغط لاخفات صوت الثورة الشعبية قبل رحيل فيروس كورونا و إلّا سترحل معه أو بعدها بأيام. لذلك عجّلت السلطة في المصادقة على تعديلات قانون العقوبات بما يشدّد الخناق على حرية الرأي و حرية التعبير و يصعّد من ضائقة معالجة الأخبار بكل حريّة.

في اجتماع مجلس الوزراء المنعقد ، أمس الأحد، صادق عبد المجيد تبون على أحكام جديدة أضيفت لقانون العقوبات تُجرّم الأخبار الكاذبة.

إن كان نشر الأخبار الكاذبة أمر لا اخلاقي تشجبه كل الاعراف و مواثيق اخلاقيات مهنة الصحافة و يُندَّد به كمساس شنيع لحق المواطن في اعلام نزيه، موضوعي و حقيقي، فإنّ التسريع في اجرامه من قبل السلطة أمر مرفوض و خطوة أخرى نحو فسح المجال للذرائع الملفقة للمساس بحرية الصحفيين.

في البلدان الديمقراطية و ذات الباع الكبير في مجال الحريات، يُضبَط العمل الصحفي بميثاق أخلاقيات الصحافة. و تقوم أسرة الاعلام بكل مكوناتها على تحديد أحكامه و المصادقة عليه قبل انتخاب هيئة مستقلة تسهر على احترامه. و كل مخالفة لأخلاقيات الصحافة المتوافق عليها تُعرض صاحبها، صحفيا كان أو مؤسسة اعلامية، إلى المساءلة و الانذار و لربما سحب البطاقة المهنية و فصله من المجال نهائيا. و هذا هو الحل الأمثل الذي يضمن اعلاما نزيها يؤدي واجبه بالمستوى المطلوب بعيدا عن اي ضغوطات قضائية أو سياسية كانت.

أن تسابق السلطة إلى تجريم العمل الصحفي دليل قاطع على تمسكها بالمقاربات الأمنية في معالجة الملفات المتعلقة بالحريات و النشاط السياسي. و تهمل كليّا سياسة العمل بأخلقة النشاطات عبر ميكانزمات هادئة معروفة عالميا.

إن السلطة الفعلية تعطي اشارات واضحة أن مسالة الأخلاق ، منبع التصرفات السليمة في المجتمع، غائبة تماما في نظرتها للأمور العامة . و في هذا الخلل، جزء كبير و أعظم من المسؤولية في فشلها السياسي و الاجتماعي. ان تجاهلها لواجب أخلقة المجتمع بدل قمعه و رميه إلى ميدان التصادم، هو الذي جعل وزيرا سابقا  من النظام و مديرة مؤسسة اعلامية مساندة له يتبنّيان في العلن مفردات من قاموس لغة الملاهي و المراقد الجماعية و الارصفة الليلية ، لينكشف بذلك مدى غرق البلاد في أوحال الرداءة.

إن تعنّت السلطة في تجاهل مسلّمات الأمور و جنوحها الكامل للمقاربات الأمنية و إلى تجريم كل صوت مخالف لخطاباتها و سياساتها و كاشف لممارساتها الدنيئة بدل الدعوة الهادئة لكل مكونات المجتمع، و الاعلام الوطني في الصدارة،  بتنظيم أمورها بنفسها وفق معايير عالمية أثبتت نجاعتها، يتركنا نتساءل عن ما إذا تريد صراحة، هي أيضا،  القول بلغة الانحطاط و الرداءة : ” روحوا تقو…. ا “.

أمياس مدور

 

 

sample-ad

Facebook Comments

POST A COMMENT.