لتخطّي الأزمة الصحية المتدهورة، لازم على السلطة تعرف مضربها

sample-ad

لا يختلف عاقلين ان الازمة الصحية تفاقمت وأخذت منحى خطير قد تكون عواقبها وخيمة إن لم يرافق الحزم و الصرامة تسيير السياسة الصحية الوقائية.

قد نتفهّم إلى حدّ بعيد عصبية والي سطيف عندما انفجر غضبا إلى ما آلت اليه الوضعية الوبائية في ولايته. و لكن خطورة الوضع وتخبّط السلطات في ايجاد الوصفة الصحيحة لجلب الساكنة السطايفية إلى الالتزام بالاجراءات الوقاية و احترام الحجر الصحي المفروض لا يمر حتما عبر المس بكرامتها ومعاملتها لفضا أو عملا كالدواب. ” اضربو، يعرف مضربو”، مثل يقال عن الحمير و لا يليق بمقام مسؤول دولة من هذا المقام أن يُسقطه على مواطني سطيف و إن لم يلتزموا بالقرارات المتخذة.

كان واجبا على والي سطيف أن يحلّل موقف المواطنين بتأنّي و عقلانية. إن استفحال الوضعية الوبائية في جميع الولايات راجع إلى عدم احترام المواطنين للتدابير الصحية التي أقرتها السلطات الصحية، وهي حقيقة لا يختلف عليها الاخصائيون. ولكن السؤال الضروري الذي ينبغي طرحه : لماذا هذا الاستخفاف و التهوّر وعدم تصديق ما تقوله السلطة جهارا نهارا ؟ في الاجابة على هذا السؤال مفتاح اللغز، و معالجة ما تقدمه من نقائص مفتاح الحل الأنجع بعيدا عن العبارات الجارحة و الخطابات المستفزة.

السلطة الفعلية تتحمل أكبر قسط من المسؤولية في عدم احترام المواطنين للاجراءات الوقائية. فالسلطة من أعطت في أكثر من محطة اشارات سلبية في كيفية التعامل مع الوباء و هي اشارات تتناقض و محتوى التحذيرات الصحية التي أطلقتها. فهي من منحت للأفلان و الإرندي تصريحات بعقد اجتماعات بالمئات و في غرف مغلقة دون احترام أدنى شروط الوقاية. و هي التي دعت المواطنين و المواطنات للولوج إلى العاصمة للترحم على أبطال المقاومة الشعبية التي استرجعت رفاتهم مؤخرا. وهي التي تدفع يوميا بالجزائريين للخروج إلى الشوارع للتظاهر بسبب عدم احترامها للهدنة الأحادية الجانب التي أقرتها الثورة الشعبية. فما كانت لمسيرات تيزي وزو و بجاية و بني ورتيلان أن تحدث، و ما كان للتجمعات شبه يومية أمام المحاكم أن تنظم لو لم تستعمل السلطة سطوتها الجائرة في الوقت الخاطئ.

لم يحترم الكثير من المواطنين التدابير الوقائية لأن من بثّها و روّج لها وسائل اعلامية أشبعت الساحة بالأكاذيب و الخطابات الأحادية الاتجاه. صعب أن يُصدّق من يكذب عليك طول العام عندما يقول لك الحقيقة يوما ما.

الأزمة الصحية أزمة قائمة، و التصدي لها يستلزم تضافر جهود الجميع. ولكن تفاقمها وعدم انخراط المواطنين فيها بصورة شاملة يرجع لأزمة ثقة بين الداعي و المدعو. وتفكيك المعادلة الخاطئة يمر حتما عبر تصحيح المسار بفتح القنوات الاعلامية العمومية بطريقة تُرجع لها المصداقية الكاملة و تسمح لها بأن تكون في مخيلة المواطن أنها قنوات تتدفق منها الحقائق.

ويجب على السلطة رفع الضغوطات على الشعب و نشطاء الحراك، و تحرير عشرات الرهائن المحتجزة في السجون لزرع السكينة و الطمانينة في القلوب.

إن الأزمة الصحية المتدهورة تتطلب خطابا صادقا، ثقة كاملة بين السلطات الصحية و المواطنين، قابلية تامة لتلقي الحملات الاعلامية التحسيسية و أمل في غد أفضل. و كل هذا يتطلب أن تعرف السلطة مضربها.

أمياس مدور

sample-ad

Facebook Comments

POST A COMMENT.