كي لا يُغتال نوفمبر

sample-ad

بدأت منذ يومين الحملة الانتخابية لصالح الاستفتاء على الدستور الذي يكرس رسكلة النظام السياسي الذي خرج من اجل استئصاله ملايين الجزائريين و الجزائريات في فيفري 2019.

وبمناسبة هذا الحدث الذي فرضه أصحاب السلطة الفعلية على الشعب الجزائري، عادت الأصوات الناعقة إلى الواجهة بعدما دفن اصحابها رؤوسهم في الرمل ايام ذروة الغضب الشعبي بسبب ما عاثوا فيه في البلاد من فساد في الأرض وهلاك في الحرث. وما كان لهؤلاء الفاسدين الذين استغشوا ثيابهم عندما صحصح صوت الحق، ان يطلعوا على الشاشات والمنابر مرة ثانية لولا طوق النجاة الذي رماه لهم أصحاب القرار الفعلي الذين عقدوا العزم ان يعيدوا الجزائر إلى مجاريها العفنة.

اغتنم النظام البائس فرصة تفشي جائحة كورونا ليضرب امل الجزائر المناضلة من أجل نظام ديمقراطي بسكاكين الخيانة في الظهر. فكثف من وتيرة الاعتقالات، وأحكم الوثاق على وسائل الاعلام العمومية والخاصة، وزرع الرعب بالقمع في أوساط الشعب الثائر، وأثار الفتن بين المناطق، واوقد نار الخلافات الاديولوجية، ووظّف الجهاز القضائي بما يتنافى والقانون، وأجج النزاع حول الهوية، ومنع الاحزاب المعارضة من تنظيم اجتماعاتها الدوررية، وحرّم التكتلات السياسية من اللقاءات التشاورية حول كل ما يخرج عن خريطته المدمرة للأمة، لينتهي به الأمر بحشر بقايا النظام وحشود الفساد الناخر لعظم الدولة من جمعيات آكلة للميزانيات واحزاب موالية لبوتفليقة وشخصيات انتهازية راكضة نحو المكاسب الغير شرعية في خندق ضرب ثورة فيفري 2019 ووأد الأمل في التغيير الجذري للنظام.

ان الجزائر الجديدة بما فرضته من واقع مريب استنساخ سيئ وبذيئ لنظام بوتفليقة بكل تفاصيله مع السهر على الذهاب بعيدا في مجال قمع الحريات وتقليص مساحات النشاط السياسي وتوظيف أكثر وقاحة للجهاز القضائي إلى درجة إدانة مواطن بعشرة سنوات سجن نافذة ومليار سنتيم، و كأننا في بقاع الموصل والرقة، بسبب ملكه لنسخة قديمة من القرآن الكريم ضاعت منه ورقة.

ان الأصوات التي تنبعث من اسطبلات النظام و ما يفرزه الصندوق الانتخابي المملوء مسبقا ليس إلا عثرات محسوبة ومنتظرة في درب الثورة الديمقراطية السائرة نحو النصر والحرية. فالاستقلال السياسي من قبضة باريس وابو ضبي والقاهرة والايادي الداخلية الناهبة، أمر جلل يتطلب الصبر والمثابرة والتعبئة المستمرة والثبات في المواقف. وهذا أمر راسخ وقناعة متجذرة في قلب كل ثائر من ثوار فيفري 2019. فلا خوف عليه ولا هم يحزنون.

ما يحزّ النفس فقط هو تجرؤ السلطة بربط اجندتها السياسية العفنة بأقدس يوم يملكه الجزائريون. إن مس يوم طاهر كأول نوفمبر بنجاسة تلاعب سياسي قذر من أجل إعادة السيطرة على السيادة الشعبية قد يكون له أثر كارثي على العلاقة الروحية بين الشعب وثورته المجيدة. فإذا كان سابقا يمثل أول نوفمبر يوما أغر تتجسد فيه العزة والمجد والكرامة ومعلما تاريخيا للتضحية من أجل الوطن، فإنه قد يصبح مستقبلا يوم خزي وعار يرمز لقتل آمال الجزائريين وعودة الفساد و سياسات الريع من بابه الواسع. وهو ما يخشاه كل وطني اصيل ووفي لذاكرة الشهداء. وكي لا يفقد الجزائريون معلمهم التاريخي وارثهم الوطني الأصيل ويحموا نوفمبر المجيد، يجب للدسيسة ان لا تقع على رأس الوطن الجريح. وهذا من واجبات الشخصيات التاريخية النقية وكوادر الأمة الجلية وكل أطياف الشعب الأبي. فهل من مستجيب لنداء الوطن المفدى كي لا يُغتال نوفمبرة؟

أمياس مدور

sample-ad

Facebook Comments

POST A COMMENT.