بورقعة و بوتين و النظام الجزائري

عرفت الجزائر بحر هذا الأسبوع خطابين مختلفين كشفا ميل ميزان القوى لصالح الثورة الشعبية. خطاب نطق به بصوت مرتجف رئيس دولة منخر القوى لا يمثل إلاّ شخصه و شرذمة من أصحاب المصالح الضيقة. و خطاب صحصح به واحد من قادة جيش التحرير و رفيق درب المليون و النصف مليون شهيد يمثل بمحتواه ملايين الجزائريين الراغبين في طي صفحة نظام الفساد و الاستبداد و الولوج إلى نظام العدل و الحرية و الكرامة.

في مدينة سوتشي، على ضفاف البحر الأسود، طلب عبد القادر بن صالح مقابلة فلاديمير بوتين، رئيس فيدرالية روسيا، على هامش أعمال ملتقى حضرته أكبر بلدان إفريقيا للبحث عن سبل تحرير أنظمة القارة السوداء من مخالب عقدة ما بعد الاستعمار. تساءل قيصر الكريملين عن ما وراء الدعوة ثمّ انتهى بقبول الاستماع لضيف الفديرالية المحيِّر من باب اللّباقة فقط. و وقعت الواقعة المضحكة.

في ثوب متسوّل لمساندة دولية لنظام انتهى تماما في نظر الملاحظين الدوليين، و بصوت غلبت عليه نهتات التعب من مشقة السفر، أخبر عبد القادر بن صالح قيصر روسيا أن الوضعية السياسية في إقليم الجزائر تحت السيطرة و أن هناك خطة في حيز التنفيذ لانقاذ النظام ، و أن ما تروّج له وسائل الإعلام مجرد خرجات أسبوعية لبعض العناصر الحاملة لشعارات مغرضة لا وزن لها و لا أثر. كاد بوتين، الضابط السابق في جهاز الكا جي بي الذي يعلم كل كبيرة و صغيرة و لو كانت بوزن حبة خردل تحصل على أرض المعمورة، أن يطلق قهقرة لا يتقنها إلا الروس تحت تأثير الفوتكا، لسماعه هذا الهراء، و لكنه اكتفى برسم ابتسامة تهكّم كعلامة استغراب و تعجب و حسرة  لما وصلت اليه ديبلوماسية بلد كان يُنعت بقبلة الثوار و صوت الجنوب المكافح. و عاد بن صالح إلى عقر دياره المتهاوية مكسور الجناحين لأن التجاعيد المرتسمة على وجه بوتين، و هو يقدّم له تقريرا ما أشبهه بالذي كان يفصّله داي الجزائر أمام السلطان العثماني بالباب العالي، أوحت له أن الكريملين لم يعد يطيق مجالسة النظام الجزائري الحالي و إن كان أكبر مقتني للاسلحة الروسية.

خطاب بن صالح في سوتشي أثار طبعا سخط الجزائريين الذين رؤوا فيه دبوسا آخر يُدق في جسد الوطن الجريح الذي أنهتكه سياسات فاسدة امتدت ل 57 سنة.

في بئر مراد رايس بأعالي العاصمة، وقف رجل ثوري منتصب القامة أمام قاضي التحقيق ليُسمعه أن لا وقت له لتبادل الحديث مع موظف حكومة لا شرعية لها و لا وزن عندها في قلوب الجزائريين. ثم طالب باطلاق سراح شباب الحراك .بعدها رفع القاضي بورقعة الجلسة وبهت المحكوم عليه في مكتبه. 

نزل الحكم الذي نطق به الرائد لخضر بورقعة باسم الشعب في حق العدالة الجزائرية الحالية بردا و سلاما على صدور الجزائريين و الجزائريات. و رفعت كلماته من رصيد معنويات الثورة و معتقلي الرأي في سجون النظام و شحذت الهمم في الشوارع و الساحات. فلأول مرة، يتم محاكمة العدالة في عقر قصرها و في أقصر جلسة قضائية عرفها التاريخ.

لقد أصدر بوتين بموقفه الباهت في سوتشي اتجاه عبد القادر بن صالح حكما قاسيا أنهى أحلام النظام الجزائري في الحصول على أي مساندة في الخارج، و أصدر الرائد بورقعة في قصر العدالة ببئر مراد رايس حكما نهائيا بانتصار الثورة الشعبية السلمية.

ابتداءا من اليوم، يستعد الجزائريون و الجزائريات في كل ربوع الوطن للنفير العام الى العاصمة يوم أول نوفمبر المقبل لإصدار شهادة حق دفن النظام البائد و إعلان الاستقلال.

لقد خرج الجزائريون في أول نوفمبر 1954 لتحرير الأرض. و سيخرج الجزائريون يوم أول نوفمبر 2019 لـتحرير المصير. فهل كتب القدر لأول نوفبر أن يسجله التاريخ ك” يوم الثورتين ” ؟

أمياس مدور

Facebook Comments

POST A COMMENT.