التخويف بالتدخل الأجنبي فزاعة أخرى لعزل الثورة

sample-ad

 

القوى الخارجية لا تخلق المشكلة لكنها تستثمر فيها, وهي لا تتسبب في خرق حقوق الانسان لكنها تستغلها, وهي ليست مسؤولة عن وجود أقليات لكنها تسارع إلى تبني قضاياها إذا رأت في ذلك مصلحة. المشكلة ليست في خروج الجزايريين للشارع للمطالبة بالحريات الفردية و الجماعية و بدولة الحق و القانون ، بل في من يستعمل القمع و الترهيب و التخوين و سجن كل الاحرار من الجزائرين و كل من يساند هذه الماكنة الدكتاتورية من اعلام و اشباه الساسة.

تصريحات بن صالح لبوتين تعتبر تصديرا مجانيا للأزمة الجزائرية و استباحة للملف الداخلي الجزائري، وهذا يمثل انكشافا داخليا وخارجيا لم تمر به السلطة الجزائرية منذ الاستقلال. وتلخص حال الهوان والارتباك الذي تعيشه السلطة واستجداءها للقوى الكبرى، وخيبتها في إدارة الأزمة باللجوء طريقة غير مناسبة لرئيس بحجم الجزائر، و باستعمال مفردات و معاني كشف فيها نظرة النظام الإحتقارية للملايين المطالبة بذهاب كل رموزه.

كان بالإمكان الاكتفاء بالإشارة إلى قدرة الجزائر من الخروج من مأزقها ، و التأكيد باستمرار الدولة وحرصها على ترقية علاقاتها المميزة مع موسكو؛ دون تقديم شرحا مفصلا عن الأوضاع السياسية في الجزائر و مهاجمة الحراك الشعبي، حيث قال بن صالح لبوتين في الفيديو الذي بثته قناة “روسيا اليوم”: “إذا كنت قد طلبت منكم المقابلة فالغاية التي أسعى وراءها هي أني أريد أن أطمئنكم أن الوضع في الجزائر متحكم فيه في هذه المرحلة الدقيقة”. واتهم بن صالح “وسائل الإعلام بتضخيم حقيقة ما يجري في الجزائر وترويج معلومات تنقصها الدقة”، وقال مخاطبا بوتين “يمكن أن نقول لكم إننا رسمنا تصورا ونسير عليه، والخطة تعتبر في مراحلها الأخيرة، اعتمدنا الحوار مع الشركاء ومع ممثلي المجتمع المدني وشكلنا لجنة تتولى التحضير والإشراف على الانتخابات الرئاسية المقبلة المقررة في 12 ديسمبر المقبل”. واصفا ملايين المتظاهرين في شوارع المدن الجزائرية للمطالبة بإلغاء هذه الانتخابات و رحيل جميع رموز النظام السابق بالقول: “بعض العناصر تخرج أسبوعيا ودوريا إلى الشارع وترفع شعارات”.

منذ 22 من فيفري الماضي، خرج ملايين الجزايريين، رجالا و نساءا ، اطفالا و شيوخا ، عبر كامل ربوع الوطن في مسيرات مليونية مناهضة للعهدة الخامسة للرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة ، و للمطالبة بتغيير جذري للنظام الذي استطاع التجدد منذ الإستقلال ، رفع المتظاهرون شعارات اعلنو فيها عن رفضهم لاي نوع من التدخل الأجنبي في الشأن الداخلي لبلادهم .

استمد الشعب الجزايري قوته من البعد الوطني لحراكه الشعبي و تمسكه بوحدته الوطنية بشعار ” خاوة خاوة”، و بالسلمية التي فاقد قد التوقعات في مسيرات مليونية ضمت كل شرائح المجتمع ، و ليقدم للعالم درسا في الوعي و التحضر، و امام هذا الوضع، لم يجد النظام رغم العديد من المناورات لكسر الحراك باستعمال التخويف من العشرية السوداء، و التخوين و احياء النعرات الإديولوجيات التي ذابت بعد 22 فيفري ، و استثمر ملف الهوية و العرق و اللغة، ثم الراية الامازيغية ، وصولا إلى لجنة الحوار و الهيئة الوطنية لتنظيم الإنتخاباتو التي قالو عنها “مستقلة”. لكن من جهة اخرى لم يهمل السلطة يوما الإستقواء بالدعم الخارجي، فنتذكر جولة لعمامرة عبر العالم ، قبل تدخل الجيش و تفعيل المادة 102.

كثورة مضادة ، عمل النظام على شيطنة كل الشخصيات الوطنية و الأحزاب الوطنية المأثرة ، و حرك جهاز القضاء ضد شباب الحراك و النشطاء ، و حاول عزل الثورة عن العالم الخارجي، بغلق كل المنابر الإعلامية حتى لا تصل كل الأصوات المعارضة لبرنامجه ، و توجيه هذه المنابر بابمقابل لكسر الحراك ، كما عمل على منع بث الصحافة الدولية من للمسيرات الشعبية ، و ضيق على ممثلي المنظمات الغير حكومية نذكر اعتقال ممثل هيومن رايس، استثمر في تخويف الشعب من كل مساندة ممكنة لحراكه في وقت يستعمل القمع و يتزايد اعداد المعتقلين ، و ما حدث مع النائبة البرلمانية الفرنسية ماتيلد بانو(Mathilde Panot) التي كانت متواجدة في الجزائر للوقوف على حقيقة الثورة التي لا تصل العالم ، خير دليل

عوملت البرلمانية ماتيلد بانو من طرف الصحافة الجزائرية بخلفية لتوجيه الرأي العام ، بعد تصريحات بعض البرلمانيين الأوروبيين حول الحريات و المعتقلين المسكوت عنهم، و هو ما هو ما اعتبرته نفس الصحافة تدخلا في الشأن الداخلي،في نفس السياق لم تتحرك عندما رحب حسن ربحي بصفته الناطق الرسمي للحكومة و وزير الثقافة بالنيابة بقرار البرلمان الأوروبي (الذي أثار جدلا ) ، حينما اعتبر ربحي أن موقف الإتحاد الأوروبي من الإنتخابات الرئاسيات المقبلة بالجزائر يعبر عن ” احترامه الكلي للشعب الجزائري ، و الدولة الجزائرية “. لما لم نسمع موقفا للإعلام عندما كان لعمامرة يجوب دول العالم ليجد سند لوقف الحراك الشعبي.

يستمر النظام بخرق الإتفاقيات الدولية التي امضت عليها البلاد فيما يتعلق بالحريات و حقوق الإنسان، و يستمر في خنق الثورة بالتضييق على الصحافة لمنع وصول صوت الجزائريين الى شعوب العالم ، آخرها فضيحة غلق قناة المغاربية، ليتهم بن صالح في لقائه مع بوتن وسائل الإعلام القليلة التي لا تزال تنقل ما يتحدث، “بتضخيم حقيقة ما يجري في الجزائر وترويج معلومات تنقصها الدقة”. في صمت دولي على هذه الإنتهاكات بعد اقتراح حكومة تصريف الأعمال لقانون المحروقات الذي يعطي امتيازات غير مبررة للشركات الإجنبية.

بالعودة إلى النائب/ة الفرنسيّة ماتيلد بانو(Mathilde Panot). و التي تعد اصغر برلمانية منتخبة في البرلمان الفرنسي (من مواليد 1989)، بعد النائب اندريا كادنانس(Adrien Quatennens) (1990). كان يكفي أن نعرف قبل أنّ نتهم دون أن نتروّى ونعلم، بأنّ ماتيلد بانو(Mathilde Panot).منتمية للحزب اليساري “فرنسا الأبيّة”، الممثل للمعارضة في البرلمان وفي الشارع، و هو الحزب الذي يلقب من طرف منافسيهم من احزاب اليمين بما نصطلح عليه في لغتنا السياسيّة “حزب الجزائر وفلسطين في فرنسا)‏، لا يترك ذكرى استعماريّة، إلا ويتظاهر فيها بباريس ليحاثّ فرنسا على الاعتراف بجرائمها في الجزائر.

بانو(Mathilde Panot). منتمية لكتلة “فرنسا الأبيّة”، التي يراسها جون لوك ميلانشون (Jean-Luc Mélenchon) الملقب بالخطيب الأحمر و المدافع الشرس عن حقوق المهاجرين الجزائريين بصفة خاصة و الافارقة بصفة عامة. و ليس بالصدفة انه الحزب الوحيد الذي قبلته السترات الصفر ضمن مظاهراتها. لانهم في مركز المعارضة الشرسة والمتطرّفة للحكومة وللرئيس ماركون شخصياً، و المناصر لكل القضايا العادلة في العالم.

البرلمانية ماتيلد بانو(Mathilde Panot)، لم تكن جاسوسة وجودها في الجزائر كان بصفة رسمية، و دخولها كان رسمي و في إطار قانوني، كل تحركاتها معلومة لدى المصالح الأمنية المكلفة بالدرجة الأولى بحمايتها و حماية كل الرعايا الأجانب. و في حين لا يوجد قانون يمنعها من لقاء مواطنين بسطاء او سياسيين ، لذا كل الضجة المرتبط بتواجد ماتيد بانو في الجزائر كان مبالغا فيه و ليس له ارتباط بالتدخل الأجنبي الذي يشمل الرسميين من الطرفين. بصراحة هذه الضجة مفتعلة لتخويف الشارع بعدما فشلت كل اوراق النظام لكسر عزيمة الشعب. و منع اي مساندة لقضيته.

كان ممكنا القول ان المعاملة الإعلامية لماتيلد بانو ، قد تعود الى عدم دراية الأقلام الشابة بفسيفساء السياسة الفرنسية. و عدم التفريق بين فرنسا الرسميّة، و الشعب الفرنسي، بين الحكومة الفرنسية و البرلمان الفرنسي ، بين اليمين و اليسار ، لولا احتراف هذه المنابر الإعلامية المعروفة بالتزوير العلني و التضليل للدفاع عن الديكتاتورية ، باختيارها السكوت عن التضييق الممارس على الحريات الفردية و الجماعية و حرية التعبيير، و قضية معتقلي الرأي و السياسة ، في حين إختارت تخوين الأحرار و تزييف الحقائق لدرجة ان ملايين المتضاهرين يوصفون بالشرذمة و ببعض العناصر في التلفزيون في حين تُنقل بعض الوقفات من المدن الداخلية لبعض الأشخاص المساندة لقائد الأركان للإعلان ان الحراك انتهى.

عبد المجيد مهني

Facebook Comments

POST A COMMENT.